السلام عليكم ورحمة الله وبركاته --------------------------------------------------------------------------------
خلافاً للاعتقاد السائد في كل الأوساط العربية تقريباً والذي يحاول أن يرسخ في أذهاننا مقولة واحدة وحيدة مفادها إن عصر العطاء المتميز الذي أقام علي امتداد أجيال صرح ثقافتنا في كل المجالات من شعر ونثر ورواية ورسم وغناء وتلحين وموسيقا قد زال لتحل محله موجة الغزو الفكري والثقافي إذا صح التعبير المصدرة إلينا من الغرب ،
استطيع أن أقول بكل ثقة انه إذا كانت ظروف الانتقال من عصر إلي عصر ومن قرن إلي قرن ومن إيقاع حياة بطيئة أو بالأحرى هادئة إلي إيقاع صاخب ومتعجل قد أشاعت الفوضى وحجبت الرؤية وطرحت قناعات متناقضة فان ذلك كان مثل الهدنة القصيرة بين حزبين أو بين مرحلتين وان مابرعنا فيه في مجالات العطاء الإنساني والفكري في العصور الماضية مستمر ومتصل ومتلاحق واننا بالتالي لم نفقد هويتنا ولا نحن تهنا بين صخب الغرب وغموض الهوية .
صحيح أننا نفتقد عصور المتنبي وأبي تمام ونحن إلي عصر أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وان كان عطاؤهما يعيش بيننا وصحيح أننا نبحث عن المواهب الأصلية بالسراج والفتيل فلا نعثر إلا علي بعض مشروعات الموهوبين إلا إننا نهجر النوم إذا ما ابتعد عنا عمل من الأعمال الخالدة التي تتوزع مابين الشعر والنثر والفنون التشكيلية والموسيقا العربية الأصلية البعيدة عن الأزياء الموسيقية الغربية الوافدة وقد لا أغالي ولا أجافي الحقيقة إذا ما قلت في هذا المجال أن الكثير من الشباب في سن المراهقة يفتحون عيونهم علي موسيقا
((البوب)) وملابس الجينز وصراعات مايكل جاكسون وسرعان ما يبادرون إلي خلع هذه الأزياء ويعودون كطيور أيلول إلي إبداع المتنبي ونجوم نزار قباني وواقعية نجيب محفوظ ورومانسية إحسان عبد القدوس وحضارة عطاء غازي القصيبي شعراً ونثراً وعوالم أم كلثوم وعبد الوهاب وسحر فيروز وفلسفة جبران إلي أخر سلسلة المبدعين التي لا تنتهي .
من هذا المعين ينهلون بعد أن تمر بهم فترة المراهقة وتستقر بهم الأفكار ويضعون أقدامهم علي أول طريق العمل والأسرة والعطاء .
ولماذا نذهب بعيداً طالما أننا مررنا خلال فترة الأعياد بصورة خاصة بتجربة أكدت لنا صدق ما قول خلال الأعياد أحسست باني في حاجة إلي الهدوء والسكينة والبعد عن الاحتفالات والمآدب فاستبدلت بكل ذلك أجواء غرفتي هكذا من دون ارتباطات وسعياً وراء التأمل وهي حاجة نفسية تهاجمنا علي حين غرة بين وقت وأخر وتفرض علينا العودة إلي ذاتنا لتحديد حجم الأرباح والخسائر وتصحيح الأخطاء وتطوير وتثمير القرارات الصائبة . وقد كان التلفزيون في هذه العزله نافذتي التي كنت اطل منها بين وقت و أخر علي العالم مع نوافذ الكتاب والموسيقا والجماليات الاخري . وقد لاحظت أن ما يثير إعجاب أجيالنا في حقول العطاء الموسيقي والثقافي الغربي ويدفعنا إلي مواكبته كان نابعاً من رغبتنا في الاكتشاف والتجربة لا من انبهارنا واقتناعنا به .
وان جوعنا إلي مواكبة ما تجود به علينا الدول الأخرى كان جوعاً كاذباً لم يهز في الحقيقة زاوية واحدة من زوايا ثقافتنا الأصلية والدليل أنني في وحدتي اندفعت بالاقتناع والحاجة إلى عطائات نجوم ثقافتنا علي صعيد الكلمة المكتوبة شعراً ونثراً والي عوالم نجوم موسيقانا فإذا كان الكتاب خير جليس فان أصوات وموسيقا المبدعين من نجومنا هي البساط السحري الذي يستطيع أن يحملك مع فرحك وحزنك إلي رحاب النجوم ويغذي منك الروح ويشبعها بعيداً عن كل طبول وصنوج المتفرنجين الذين يتقافزون أمامك على شاشات الفضائيات في ما يسمى بالفيديو كليب من دون أن تفهم سر العلاقة بين قفزهم وصراخهم مع النساء اللواتي يشكلن دائماً خلفية هذه الفيديوهات وبين قدسية العطاء الفني الصادق الذي تربينا عليه....
وانأ ليس الوحيد في هذا الاقتناع فمجتمعاتنا حريصة حتماً علي تراثنا ولا تفرط فيه ولا تتنازل عنه وبالتالي فمن المبالغة أن نرفع الصوت لنقول أن حصوننا الثقافية تتعرض للغزو وان جدرانها تتعرض للانهيار وأننا نفقد هويتنا وسط هذا الضجيج .
فهويتنا ليست قشره ونفوسنا ليست ركيكة وعقولنا ليست مشاعاً مباحاً لكل غازِ ولو كنا ضعفاء لما كان المتنبي يعيش بيننا وكأنه لم يرحل منذ أكثر من ألف سنة .
نحن نفتح الأبواب أمام كل التيارات الثقافية الغربية لتهب علينا ولكننا لا نسمح لهذه التيارات بأن تقتلعنا من جذورنا .
مع تمنياتي للجميع بالتوفيق والنجاح
شاكراً لكل من مر من هنا واضعاً آرائه و مقترحاته