الحلقة الثانية – المقطع الأول
في الميقات، لم تكن المياه تساعد على الغسل، فلم يقصر الحجاج الذين وصلوا قبلنا بالبقاء على قطرة ساخنة، فكانت الكلمات تخرج من فم العُبد: " ألبس ثوبببـ.. ـي الإحرم ببب... لعممممرة التمتع لححححج التمتع .. "
، من شدة برودة المياه، لكن ذلك البرد أثر عليّ خصوصاً في (السكسويل)، وركبنا السيارة في طريقنا لمكة، والتي لا سقف لها تماشياً مع الحكم الشرعي الذي لا يجيز للرجل المحرم الاستظلال بالظل المتنقل.
وما إن تحركنا حتى وجدت نفسي غارقٌ في دوّامة من الإنفعالات المختلفة التي هي مزيج بين الرضا والخوف والرغبة والرهبة والفرحة .. وبدا السيد أحمد – الذي كان لا يبالي برفع الصوت بالتلبيات والصلوات، هذا السيد كان مثالاً يقتدى به أمام بقية المشايخ في القافلة - متأهباً لترديد التلبيات التي اعتدت على سماعها في العُمرة المفردة، ولكن هذه المرة كان لها طعم مختلف، وأخذ السيد يردد: " لبيك اللهم لبيك " آه .. وفي القلب شذى، تذكرت تلك الأيام ..
"لبيك اللهم لبيك" إنها استجابة للنداء الخالد الذي أمر الله نبيه إبراهيم عليه السلام أن يطلقه في أذان البشرية ولكن أتراها استجابه كاملة؟ أن التلبية تكون مخلصة صادقة إذا نطق بها اللسان وأوحاها الفكر، وصدّقها القلب، وأكدّها العمل. أن حركة اللسان وحدها لا تكفي بإعطاء مفهوم التلبية إلا إذا تظافرت معها جميع الجوارح لدى الإنسان...
"لبيك لا شريك لك لبيك" إنه اقرار بالوحدانية وتأكيد على >العبودية< المطلقة
"إن الحمدَ والنعمة َ لكَ والملكْ" نعم أن الحمد لله وحده لأنه وحده صاحب كل نعمة ومصدر كل رحمة فهو المحمود الأول في كل ما يحمد عليه، وهنا تذكرت كلمة للامام زين العابدين عليه السلام – آجرك الله يا إمامي بمصاب ابنك الباقر – " إن شكري إياك يحتاج إلى شكر ". أن يكون الإنسان مقراً بالحمد والشكر لله لهو السعادة وما فوقها سعادة ..
" أن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك " ومرة ثانية يتكرر في كلمات التلبية الإقرار بالوحدانية، لكي يكون القصد في العبادة متوجهاً بمجموعه نحو الله، نزيهاً عن الرياء، بعيداً عن الخيلاء، نقياً من شوائب الغرور وحب البروز ..
آسف قد خرجت عن مسار القصة، ولكن للحديث بقية .. عندما ركبنا (السكسويل)، انطلق بنا هذا الشاب الذي يصغر عن سن السابعة عشر بأقصى سرعة
حيث لا رقابة ولا كفيل، ونحن (نتخضخض) فوق المرتفعات التي توهمنا بالوقوع من السيارة، والهواء القوي الذي يضرب في أجسادنا التي تلبس خرقتان بيضاوتان – كيف حالنا إذاً يوم القيامة عندما ينفخ في الصور ويقوم يوم النشور، (العوين الله) – ونمسك بحافة السيارة جيداً، إلا أن هذا السائق لم يسير بنا على الطريق المؤدي إلى مكة
، بل راح يدخل (زرانيق) وشوارع ليست معبدة ويبتعد بنا عن الحواجز التي كانت موزعة على طريق مكة، حيث انفصلنا عن باص النساء، وأصبحنا لا نعلم في أي وادي ٍ نهيم، إلا أننا كنا نلبي التلبيات الأخرى " لبيك ذا المعارج لبيك ... لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك .." حتى كلّت ألسنتنا، وتألمت " حنجرة " السيد أحمد " من الصراخ، ولكنه لم يأبه لذلك كعادته، همُهُ الأولُ والأخيرْ رضا الحجاج، حيث يسعى لخدمتهم، والجدير بالذكر أنّنا قد تيبّسنا في أماكننا من الجلوس لمدة طويلة حوالي ساعة كاملة بدون الحواجز، "هذا لو مّر بنا على الحواجز جان أكثر من 3 ساعات ... والرجال ما عنده ليسن بعد .."
ووصلنا إلى الشقة التي كانت مهيئة لنا من قبل الحملة الرئيسية " الشهابي "، حيث وصلنا قبل النساء، وتوجهنا لأداة صلاة الظهرين بالداخل، حيث استقبلنا بالداخل الحجاج الذين سبقونا مع الحملة الأولى، حيث كنّا الحملة الأخيرة، ولشدما أسعدني وجود مشايخ كالشيخ " ياسين ". كان المكان فسيحاً ومنشرحاً خفف عنّا عناء (السكسويل)

،، ويوجد فيه ثلاجات إحداها للعصائر بمختلف الوانها، والأخرى للعلب الغازية، وأخرى تحوي ما تشتهي وتطيب نفسك من الآيسكريمات المختلفة الأشكال والألوان - وما لفت انتباهي وجود الأسكريم (سندويش)

- من ثم تم توزيعنا على الغرف التي جمعت الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وأنا الآن بانتظار الوالدة، لقد تأخرت!! يا إلهي أين أنت يا "سيد أحمد" ..