توثيق حياة سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم
بحث بقلم: سماحة الشيخ مرتضى الباشا "حفظه الله"

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على خير الخلائق أجمعين محمد و آله الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
الشخصية القيادية الواعية – بكل ما تحمل هذه الكلمات من معنى – أقل وجوداً مما نتصور, فإذا جاد الزمان بفرد يجسد هذه المفاهيم بمستوى ملحوظ فعلى الأمة أن تحفظ هذه الحياة وتوثقها لتكون مشعلاً ينير الطريق للآخرين. والتقصير في حفظ تراث وسيرة هذه القيادات يؤدي إلى جهل المعاصرين فضلاً عن الأجيال القادمة إلا ببعض الرشفات التي لا تروي الغليل. علينا أن نبادر لتوثيق ذلك , ولا نؤجل هذا العمل إلى أن ترحل تلك القيادة أو الشخصية .
وحيث أن سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم , يمثل أنموذجاً فريداً في هذا المضمار على مستوى الخليج, أرى ضرورة أن يبادر الأخوة في البحرين إلى تسجيل وتدوين حياة الشيخ ومواقفه والأزمات التي عصفت أثناء حياته, وكيف استطاع أن يتخذ القرار, والتداعيات التي حدثت جراء موقفه , إلى ما هنالك من فقرات الحياة الجهادية والاجتماعية والعلمية لهذا الشيخ الجليل . وهنا لا بأس بذكر بعض مميزات الشيخ عيسى أحمد قاسم : الميزة الأولى: التقوى والورع .
الميزة الثانية: العلم .
الميزة الثالثة: القاعدة الشعبية .
الشيخ عيسى قاسم, انطلق من الشعب, والشعب هو الذي أعطاه هذه المكانة, لم يحصل على شهرته من خلال وسائل إعلام السلطة ورضاها عنه . أغلب الشعب يمتثل أوامره وتوجيهاته , سواء في السراء أو الضراء .
الميزة الرابعة : لسان الشعب
من يتابع مواقف الشيخ وكلامه يرى أنه لسان الشعب الناطق. لم ينجح الآخرون في جعله بوقاً للدعاية لهم والتمجيد بهم . الشيخ ما زال طوداً يوضح الحق والحقيقة.
الميزة الخامسة: إنجازات واقعية لا وعود بدون أجل
الشيخ عيسى لا تخدعه الوعود الكاذبة أو التي بلا أجل , ولا يقنع ببعض التغييرات الطفيفة التي تحدث في كل عصر ودولة, فالإصلاح يجب أن يكون حقيقياً وجذرياً وفورياً , لا مماطلة لكسب الوقت وخداع الرأي العام . يقول الشيخ عيسى (وبرغم ما للمواثيق والدساتير الراقية العادلة من أهمية إلا أن لغة الواقع هي التي يفهمها النّاس . وهي أصدق قيلا في قلوبهم ووجداناتهم حتى لا تنبني مواقفهم العملية إلا عليها ) .
الميزة السادسة: الثبات والاستقامة
تجمع الناس حوله أو تفرقهم عنه لا يبدل قناعته ولا يؤثر في موقفه الذي يؤمن به .
قال الشيخ عيسى قاسم معقباً على المظاهرة ضد قانون الأحوال الشخصية ( لو رأى الناس أن لا مسيرة ولا تظاهر ولا اعتصام في هذا الأمر, وذلك من باب الفرض – وإلا فهناك من هذا الشعب ألوف ممن يفوقونني مرات غيرة على الإسلام ونصرة له- ولو لم يخرج أحد ليتظاهر ضد هذا القانون لخرجت أنا وحدي) جريدة معالم الهدى , محرم 1427 هـ .
الميزة السابعة: الجرأة والشجاعة.
يقول الشيخ عيسى قاسم (أعطني إمكانيات أحاكم الوزراء، وليس القضاة، مسألة علماء أو مسألة نظام، النظام كله في خطأ، هل العلماء لديهم إشراف على القضاة يا أعزائي؟ .... كان في وقت من الأوقات سألوا عن القضاة فذكرت لهم أسماء فتجاوزها وذهبوا إلى أسماء أخرى).
الميزة الثامنة: العمل الميداني
ترشح في المجلس التأسيسي لوضع دستور دولة البحرين . وفي سنة 1971 رشح نفسه للمجلس الوطني ومارس دوره بكفاءة وإخلاص بارزين ، حتى تم حلّ المجلس . وكان من أبرز المؤسسين لجمعية التوعية الإسلامية في عام 1971 م. وهو أيضاً من مؤسسي المجلس العلمائي .
الميزة التاسعة: ترسيخ العلاقات العلمائية
الشيخ عيسى لا يكتفي بمجرد زيارات بين العلماء , بل يرى ضرورة انعكاس ذلك في تكوين وترسيخ علاقات تعاونية وتشاور وعمل مشترك بينهم.
الميزة العاشرة: الحرص على عدم خلط الأوراق
تقوم بعض العمائم بتطبيق مفهوم ولاية الأ مر الواردة في القرآن الكريم على السلطان والحاكم. أما الشيخ عيسى قاسم فيقول في هذا المضمار ( وقبل الكلمة في مشروع الميثاق المطروح لي كلمة مقتضبة عن وجهة النظر الإسلامية في مسألة البيعة على الحكم والعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين تجنباً للخلط بين الطرح الإسلامي في هذا المجال ـ وهو محل التعبد ـ وما عليه الفهم المعاصر في توجهاته الديموقراطية الأرضية الوضعيّة التي تعد أفضل مطروح أرضي، وحتى يتبين إلى أي مدى يمكن للإنسان المؤمن أن يتمشى مع هذه التوجهات ) انتهى .
وفي الختام أرى من الضروري التذكير ببعض المسائل: المسألة الأولى: هناك فرق بين من يخدم المجتمع ومن يقود المجتمع .
توضيح ذلك بمثال : المرحوم الحاج عبد الله المطرود رجل خدم المجتمع خدمات جليلة جداً, ولكن لا يقال أنه قائد المجتمع . فالقائد هو من يمتثل الناس أوامره ونواهيه وإرشاداته .
المسألة الثانية: القائد في وقت الشدة لا في وقت الرخاء .
المحك الحقيقي لمعرفة إيمان المجتمع بهذا القائد , هو وقت الشدة والمصائب والمحن, هل يمتثل المجتمع توجيهات القائد أو يتخاذل عنه ويتركه لوحده. وبناء على ذلك : مجرد الشهرة أو الهتاف باسم شخصية في وقت الرخاء والدعة لا يدل على القيادة الواقعية.
المسألة الثالثة: نحن لا نمنع أي إنسان من توثيق حياة أي شخص كان . المجال مفتوح, ليقم من يشاء بتوثيق حياة كل شخص أو مجتمع أو مشروع ليستفيد الحاضرون والأجيال القادمة من هذه التجارب والسير.
المسألة الرابعة: أنا أعتقد أن الشيخ عيسى قاسم أبرز شخصية قيادية في منطقة الخليج, ولا شأن لي بما يعتقده غيري . ليس من حقي أن أمنع الناس من قناعاتهم, وليس من حق الآخرين أن يمنعوني من قناعتي .
المسألة الخامسة: عندما نقول " قائد " فنحن لا ندعي العصمة له, ومن الطبيعي جداً أن نختلف مع هذه الشخصية أو تلك في بعض القناعات أو التصرفات والمواقف .
المسألة السادسة: عندما نكون في مقام احترام أو تقدير شخصية معينة فليس من المناسب أو العقلائية أن نذكر نقاط اختلافنا معه.
بعبارة أخرى : لكل مقام مقال , وعندما يكون الكلام في مقام بيان أهمية توثيق حياة فلان , هل من المنطقي أن أذكر نقاط اختلافي معه ؟! .
المسألة السابعة: كل شخصية بما في ذلك أنت أيها القارئ العزيز , يثار حولها القيل والقال والإشاعات , فليس كل ما تسمعه صحيحاً أو صواباً . إذن كما نطالب الناس بالتحقق فيما يسمعوه عنا, وعدم التسرع في فهم ذلك قبل البحث عن أسباب وخلفيات هذا التصرف أو ذلك , فعلينا أن نعامل الناس كما نحب أن يعاملونا.
--------------
الله يحفظكم