ارتَعَدَت فَرائِصُ الخَلِيفَةِ العَباسي المُعتَمَدِ ، وَهَرَعَ مُستَنجِداً بالإِمامِ الحَسَنِ بنِ عليٍّ العَسكَري ( عليهما السلام ) .
فخَرَجَ فَزِعَاً مِن بَينِ جَوارِيهِ ، وَذلِكَ الأَثاثِ الفَخمِ الذي لَم يَشهَد التأريخُ مَثيلاً لَهُ ، مَعَ تماثِيلِ الذهبِ التي تُزيّنُ جَوانِبَ القَصرِ المُغَلَّفةِ جُدرانَهُ بِالفُسَيفَساءِ والرُخامِ المُلَوَّنِ .
وَمِن بَينِ حُرّاسِهِ راحَت عِيُونُ الناسِ تُحدِّقُ فِيهِ وَهُوَ يُسرِعُ في طَريقِهِ بَينَ هؤُلاءِ المَساكِينِ الجائِعينَ والمظلومِينَ .
هذه ضَحاياكَ أيُّها الخَلِيفَةُ ، ألم تُبصِر عَيناكَ أجسادَهُمُ التي لا تَكادُ تَستُرُها مَلابِسُهُم المُمَزَّقَةُ ؟ وَيَحكُم يا بَني العبّاسِ ما أظلَمَكُم ، بأموالِ هؤُلاءِ تَبنوُنَ قُصُورَكُم ، وَتَكنِزُونَ الذَهَبَ وأنواع الُمجوهَراتِ وَغَيرَها .
وتُحيُونَ حَفَلاتَكُم بالرقصِ والغِناءِ والشَرابِ وَشَتّى أنواعِ الفُجُورِ ، والناسُ يَتَضَوَّرونَ جُوعاً وَتَتَجَمَّدُ أجسادُهم مِن بَردِ الشتاءِ ، وَتَكتَوي تَحتَ لَهِيبِ شَمسِ الصَيفِ المُحرِقَةِ .
أثارَ خُرُوجُ المُعتَمَدِ - وهو على هذهِ الحالةِ مِن الفَزَعِ - تَساؤل الناسِ ، ماذا حَصَلَ يا تُرى ؟!
تَقَدَّمَ رَجلٌ مِن أصحابِهِ قائلاً : إنَّ الخَليفَةَ المُعتَمَدَ ذَهَبَ إلى سِجنِ الإِمامِ الحَسَنِ العَسكري ( عليه السلام ) .
صَرَخَ أحَدَهُم : ماذا يُريدُ هذا الوَغدُ مِنَ الإِمامِ العَسكري ( عليه السلام ) ؟! ألا يَكفِيهِ أنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَهُ مِن اللقاءِ بِشِيعَتِهِ وأهلِ بَيتِهِ ؟! فماذا يُريدُ مِنهُ بَعدَ أن عامَلَهُ بمُنتهى القَسوةِ ، وَضَيَّقَ عَليهِ حَياتَهُ فَجَعَلَهُ يَعِيشُ في أزمَةٍ ماليَّةٍ خانِقَةٍ ؟
فأجاب أحدهم : رُبّما عَزَمَ على قَتلِهِ .
ثم قالَ أحَدُهُم وأردَفَ آخرُ : أنا لا أستَبعِدُ هذا أبَداً ، لأَنَّ هُناكَ خَبَراً شائعاً بَينَ أوساطِ الناسِ أنّه سَيَخرُجُ مِن صُلبِ الإِمامِ الحسنِ العسكري ( عليه السلام ) إمامٌ يَملاَُ هذهِ الأَرضَ قِسطاً وَعدلاً بَعدَ أن مُلِئت ظُلمَاً وَجَوراً .
فتَنَهَّدَ الرَجُلُ عَمِيقاً ثُمَّ أَردَفَ قائِلاً : وَهَل هُناكَ أَكثَرُ مِمّا نَحنُ فِيهِ الآنَ مِن ظُلمٍ وَجَورٍ ؟
يا ابنَ رَسُولِ الله أدرِك أُمَّةَ جَدِّكَ ، بِهذهِ العِبارَةِ تَلَفَّظَ الخَلِيفَةُ المُعتَمَد وهو يَقِفُ قِبالَةَ الإِمامِ الحَسنِ العَسكَري ( عليه السلام ) .
ثُمّ أردَفَ مُواصِلاً حَدِيثَهُ : مُنذُ فَترَةٍ وَالمَدِينَةُ تُعانِي مِن قَحطٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ عَدَمِ تَساقُطِ الأَمطارِ ، فأمَرتُهُم بالخُرُوجِ إلى صَلاةِ الاستِسقاءِ ، وَالتضَرُّعِ إلى اللهِ تعالى لَعَلَّنا نُغاثُ بالمَطَرِ ، فَفَعَلنا ذلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَم تَرزُقنا السَماءُ قَطرَةَ مَطَرٍ واحِدَةً .
فَجأةً ، وإذا بِمَجمُوعَةٍ مِنَ النَصارى بَينَهُم راهِبٌ ما إن رَفَعَ هذا الراهِبُ يَدَيهِ إلى السَماءِ حَتى تَجَمَّعَتِ الغِيُومُ فَهَطَلَ المَطَرُ ، مما جَعَلَ بَعضَ المُسلِمِينَ في شَكٍ مِن دِينِهِم ، وَقَد ارتَدَّ قِسمٌ مِنهُم ، وأنا في حِيرَةٍ مِن أمرِي لا أعرِفُ ماذا أصنَعُ .
قالَ الإِمامُ الحسنُ العسكري ( عليه السلام ) : (
دَعهُم يَخرُجُوا غَداً ، وأنا أُزِيلُ الشَكَّ إن شَاءَ اللهُ ) .
فَفَرِحَ المُعتَمَدُ فَرَحَاً عَظِيمَاً ، وأمَرَ بإطلاقِ سَراحِ الإِمامِ العسكري ( عليه السلام ) ، فَطَلَبَ مِنهُ الإِمامُ أن يُطلِقَ مَعَهُ سَرَاحَ أصحابِهِ ، فاستَجابَ المُعتَمَد على الفَورِ .
وفي اليَومِ التالِي كانَت جَماهِيرٌ مِنَ الناسِ تَلتَفُ حَولَ ذلِكَ الراهِبِ يَنظِرُونَ إليه بِتَعَجُّبٍ شَدِيدٍ وهو يَرفَعُ يَدَيهِ إلى السماءِ ، فَتَتَجَمَّعُ الغيُومُ .
فُجأةً وإذا بِصَوتِ الإِمامِ العسكري ( عليه السلام ) يَأمُرُ بإلقاءِ القَبضِ على يَدَيِ الراهِبَ قَبلَ أن يَتَساقَطَ المَطَرُ ، مِما جَعَلَ الناسَ في قِمَةِ التعَجُبِ والانبهارِ وَهُم يَتَساءَلونَ عَمّا يَجري أمامَهُم .
وَفي هذِهِ الأثناء صَرَخَ بَعضُهُم : اُنظُرُوا ، الإِمامُ يَرفَعُ بِيَدِهِ شَيئاً كانَ في يَدِ الراهِبِ ، فتَقَدَمَ المُعتَمَدُ العباسي مِنَ الإِمامِ الحسنِ العسكري ( عليه السلام ) مُتَسائلاً : ما هذا ؟!!
فَرَفَعَ الإِمامُ العسكريُّ ( عليه السلام ) صَوتَهُ عالِياً لِيَسمَعَ الناسُ جَميعاً : (
هذا عَظمُ نَبِي ، ظَفَرَ بِهِ هذا الراهِبُ مِن بَعضِ القُبُورِ ) .
والناسُ بِكُّلِ جوارِحِهِم مَشدُودِينَ إلى الإِمامِ العسكريِّ ( عليه السلام ) يُحدِقُونَ فِيهِ بِعِيُونِهِم وَيَصغَونَ إليهِ بِآذانِهِم .
واصل الإِمامُ ( عليه السلام ) حَدِيثَهُ ، حَتّى قالَ : (
ما كُشِفَ عَظمُ نَبِيٍّ تَحتَ السماءِ إلاّ وَهَطَلَت بِالمَطَرِ ) .
فَتعالَت أصواتُ الناسِ بالصَلاةِ على النَبِي مُحَمّدٍ وَآلهِ ، ثُّمَ راحُوا يُرَدِدُونَ : انتَفى الشَكُ ، انتَفى الشَكُ ، فَلا مَكانَ للمُشعوذِينَ أمامَ عِلمِ آلِ الرسُولِ مُحَمّدٍ ( صلى الله عليه وآله ) .
الله يحفظكم