السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وآله الطاهرين المعصومين وعلى أصحابه المنتجبين والأنبياء المرسلين والملائكة أجمعين وحملة عرش رب العالمين .. أما بعد ..
فحديثنا إن شاء الله سيتناول حلقات من ذكريات العام الماضي عندما ذهبت لأداء فريضة الحج، وبتوفيق الله استطعت أن أنزل إلى تلك البقاع الطاهرة، وذُلِلَت ليَ السبل، رغم أنني مرضت، وسال الدم من بعد ما حلقت، وكان لدي عيد فذبحت، لَكَم أشتاق إلى تلك اللحظات والثواني وبالأخص لمّا وقفت بعرفات، ولَكَم أدعو الله أن يرزقنيها مرة أخرى..
فلَكَم دعوت بدعاء الامام زين العابدين إذا سأل الله العافية: اللهم امنن عليَّ بالحج والعمرة، وزيارة قبر رسولك صلواتك عليه ورحمتك وبركاتك، عليه وعلى آلهِ وآل رسولك عليهم السلام أبداً ما أبقيتني، في عام هذا وفي كل عام، واجعل ذلك مقبولاً مشكوراً، مذكوراً لديك، مذخوراً عندك ...
ولَكَم دعوت في شهر رمضان: اللهم رب شهر رمضان، الذي أنزلت فيه القرآن، وافترضت على عبادك فيه الصيام، ارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا في كل عام، واغفر لي تلك الذنوب العظام، فإنه لا يغفرها غيرك يا علّام يا رحمن.
فالحمد لله .. أني قضيت الفرض ..
ولكن أود أن أقدم لكم الآن قصتي والحج في سطور .. وفي حلقاتٍ عشر
وأتمنى أن تتابعوا معي هذه الأحداث وتعيشوها ..
إليكم عنوانين الحلقات
الحلقة الأولى: من البحرين حتى الميقات .. الحلقة الثانية: من الميقات حتى انقضاء عمرة التمتع بالحج .. الحلقة الثالثة: في ليالٍ مرت كمر السحاب .. الحلقة الرابعة: الإفاضة إلى عرفات .. الحلقة الخامسة: يوم عرفة .. الحلقة السادسة: البيات في مزدلفة ليلة العيد .. الحلقة السابعة: من ثم إلى منى في يوم العيد .. الحلقة الثامنة: الليلة الثانية في منى وطواف الحج .. الحلقة التاسعة: يوم المغادرة إلى المدينة .. الحلقة العاشرة: في المدينة ..
بحفظ الله ورعايته
أخوكم/ أبو حسين
التوقيع
اللهم صل على محمد وآل محمد
قال أمير الموحدين: .. تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه ..
في العام الماضي أرادت والدة العُبد أن تذهب لأداة مناسك الحج، ولم يتوفر لها "المحرم" - كما تنص عليه الشريعة، إذ لابد أن يذهب مع المرأة رجل من أهلها، أو نسوة ثقات - ولكن الله فرج وكان العُبد جاهزاً في تلك اللحظات وقام ثم قعد، وفكر وقال: "يا إلهي هل (سيسوونني) أقرع!" - إذ كان الأهل فيما مضى ولا زالوا لا يذكرون الحج إلا ويذكرون الحلق - إلا أن العُبد قرر استجابة طلب والدته العزيزة، وأخذت والدتي جوازانا وذهبت مع والدي إلى "السيد أحمد" الذي لم يتوانى عن أخذ النقود ..
ومضت الأيام والليالي، وجاء هذا اليوم، وهو الخامس من ذي الحجة، العُبد يتطلع بشوق ويفكر دائماً في ما سيجري من أحداث، وكيف سيتعامل مع الناس لكي يكسب حجته برضا الله، ولا يغيب عن ناظريه تلك الصورة التي رددتها والدته تكراراً ومراراً، والتي كان يعطي لآذانه الإصغاء التام لها، ويجول بخاطره فيها لكي يضع في علمه ما هو ذاهب إليه، ومن هو ذاهب إليه، نعم، كان ذاهباً إلى الله، ويوم المحشر يوم يجمع الناس ضحى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لم يكن العُبد يرجو من ربه تلك اللحظات إلا أن يغفر الله عنه تبعات العباد، ويترجى التوفيق في عمله، ويتسائل إن كان سيقبل عمله؟! ..
في ظهر ذلك اليوم، وكما واعدنا "السيد أحمد" توجهنا نحو الباصات، والتي كانت قاطنة عند "شارع الوحدة" بقرية الدراز. القافلة المباركة كانت ملتحقة مع حملة أخرى، وكما العادة يتأخر الحجاج – المسافرون عامةً – عن القدوم لموقف الحافلات، مما دعاني إلى التحرك كثيراً في المكان، وأخذت أبحث عن "السيد أحمد" في تلك الأوساط، ولكن كيف لي بإيجاده وأنا لا أعرف شكله، ولم تطل عليّ غرته، فذهبت (أهبع) كالفاقد شيئاً، أو كالزمبور الضائع، حتى تعبت ولم أجده، فهو لم يأت بعد. وبقينا من الساعة الواحدة ظهراً حتى الثالثة والنصف لمّا سرى في الآفاق ذكر محمد وآل محمد ..::{صلوا على محمد وآل محمد}::.. والجذير بالذكر أنّي قبل ذلك عندما جلست في الحافلة وبعض الحجاج أخذنا نتعارف حينها، ولَكَم كانت تلك اللحظات عزيزة رغم خجلي فيها، إلا أنها شكلت أساساً ومعرفة بين الأخوان هناك.
قبل ذلك كله، ولمّا كنّا في الحافلة قبل أن يصل بقية الحجاج كانت سيجارة "مولوبورو" قد أشعلت، واويلتاه من هذا الشخص؟! وهل يريد أن يقتلنا؟ أدرت برأسي نحوه، السلام عليكم كيف حالكم أخي "ياسر الطويل"، فرد عليَّ مستغرباً "تعرفني انته؟" قلت: لا، قال: " (جيفة) عرفت اسمي عجل؟ "، وكنت قد رأيته من قبل يأخذ لوناً أصفراً من ألوان " فايبر كاستل " ليضعه على اسمه ليبدو مميزاً، فابتسمت وقلت: " (جفتك) وانته تلون اسمك "، قال: "إي له (عشان) يعرفوني، عجل (امكحين)" ، رغم أن هذا الرجل كان مدخنا ً من الدرجة الأولى – عشرين سيجارة في اليوم – إلا أن كان خفيف الظل في بعض الأحيان، والمصيبة الكبرى أنه كان نسيبي؟ من حيث لا أعلم، فعندما أخبرت والدتي بذلك، كلمته وظهر أنه ابن عمت أمها!! واويلاتها وامصيبتاه ما العمل الآن وقد أوصته على أن لا يتركني وحيداً قائلة: " (اتحمل بولدي) عبدالله " وهذا يعني أنّي سأرى سيجارته كل يوم. ولكن الأمر لم يكن بالسوء الذي توقعته، فما كانت تلك شكواي فقط منه، بل شكوى الباص بأكمله، إذ كان صريحاً، ولكنه عنيد أحياناً.
يا ميسر الأمور، تقدمت الحافلة مهلهلة، إلى أن وصلنا جسراً تعرفونه، العُبد يتسائل ومن ثم يسأل كم باصاً خلفنا وكم باصاً أمامنا، أجاب السائق وفي فمه سيجارة – ولكنها أخف بكثير من سيجارة " الطويل " - : " (قدامنا) باصان (بس)، جميل جداً، خلصوا بسرعة واركبوا ". وصلنا إلى الجوازات، حيث حدث ما حدث، إحدى النسوة من أقارب "السيد أحمد" - الذي لم يكن متواجد معنا في الباص، حيث اعتاد أن لا يعبر الجسر إلى في سيارته الخاصة، ولكنه يمشي ببطء، حيث يتوقف مع الباص في كل مرة يجتاز فيها حاجزاً – كانت لا تحمل الجواز، قيل أين الجواز؟ عند "السيد أحمد" ! خيراً، اتصلنا به على هاتفه الخليوي، فيرن لدينا في الباص؟ قيل أين الهاتف؟ عند المرأة قريبة "السيد أحمد". قال السائق: " (فلحنا عجل التلفون عندها والجواز عنده) ". وازداد عصبية لمّا كانت تتجاوزنا الباصات الواحد تلو الآخر، إذ لم يسمح للباص أن يتقدم أكثر. ما هذه المعضلة؟ اصبروا يا حجاج بيت الله، هذا اختبار لكم .. أقول في نفسي والقلب حيران، ولكن وكما يقولون " كل تأخيرة فيها خيرة ".
تيسرت الأمور بوصول الجواز واعتذار "السيد أحمد" الذي أكلوه بقشوره .. حتى وصلنا إلى المسجد آخر الجسر، وصلينا العشائيين، جادّين المسير إلى بيت الله الحرام ..
التوقيع
اللهم صل على محمد وآل محمد
قال أمير الموحدين: .. تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه ..