التوحيد في التشريع والتقنين

التاريخ: 14 ديسمبر 2009 / القسم: العقائد والكلام / المشاهدات: 2439

لا يشك عاقل في أن حياة الإنسان الاجتماعية تحتاج إلى قانون ينظم أحوال المجتمع البشري وأوضاعه ويقوده إلى الكمال الذي الذي خلق له ، ( والكل ميسر لما خلق ) .

غير أن القرآن الكريم لم يعترف بتشريع للبشرية سوى تشريع الله سبحانه ، ولا قانون سوى قانونه ، فهو يراه المشرع الوحيد الذي يحق له التقنين خاصة ، وغيره المنفذ للقانون الإلهي المطبق لتشريعه .

وقد وردت في هذا الصدد آيات في الذكر الحكيم نكتفي بذكر قسم منها :

﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( يوسف - 40 ) .

فالمراد من حصر الحاكمية على الله هو حصر الحاكمية التشريعية عليه سبحانه ، فالآية تهدف إلى أنه لا يحق لأحد أن يأمر وينهى ويحرم ويحلل سوى الله سبحانه ، ولأجل ذلك قال بعد قوله :

﴿ إن الحكم إلا لله : ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه .

فكأن أحدا يسأل عن أنه إذا كان الأمر مختصا به سبحانه فماذا أمر الله في مورد العبادة فأجاب على الفور :

﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه . وقال سبحانه :

﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( المائدة - 50 ) .

إن هذه الآية تقسم القوانين الحاكمة على البشر إلى قسمين :

إلهي ، وجاهلي ، وبما أن ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهيا فهو بالطبع يكون حكما جاهليا . وقال سبحانه :

﴿ . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وقال :

﴿ . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . وقال :

﴿ . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ( المائدة - 44 و 45 و 47 ) . وهذه الآيات وإن كانت تصف الحاكم بغير ما أنزل الله بالصفات الثلاث لا المقنن والمشرع البشري غير أنها تدل تلويحا على حرمة نفس التقنين بغير إذنه ، لأن الهدف من تشريع الأحكام وتقنين القوانين جعلها وسيلة للحكم والقضاء ، وإلا فالتشريع والتقنين بدون التنفيذ والتطبيق لا يحوم حوله عاقل .

فهذه المقاطع الثلاثة توضح أن ممنوعية التقنين والتشريع بهدف الحكم على وفقه كانت موجودة في الشرائع الإلهية السالفة أيضا ، وما ذلك إلا لأجل أن التقنين أولا ، والحكم ثانيا حق مخصوص بالله سبحانه ، لم يفوضه إلى أحد من خلقه ، ولأجل ذلك يصف المبدل للنظام الإلهي بالكفر تارة ، والظلم أخرى ، وبالفسق ثالثة . فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإلهي بالرد والإنكار والجحود .

وهم ظالمون لأنهم يسلمون حق التقنين الذي هو خاص بالله إلى غيره . وهم فاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعيل عن طاعة الله سبحانه .

وأما ما يفعله العلماء والفقهاء فهو تخطيط كل ما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي في إطار القوانين والضوابط الإلهية والإسلامية ، وليس ذلك بتشريع أو تقنين .

من كتاب: التوحيد والشرك في القرآن الكريم
المؤلف : الشيخ جعفر السبحاني













Valid XHTML 1.0 TransitionalValid CSS!Powered PHPPowered MYSQL
شبكة الغدير الإسلامية