المراد منه هو أن للكون مدبرا واحدا ، ومتصرفا واحدا لا يشاركه في التدبير شئ ، فهو سبحانه المدبر للعالم ، وأن تدبير الملائكة وسائر الأسباب بعضها لبعض إنما هو بأمره سبحانه ، وهذه على خلاف ما كان يذهب إليه بعض المشركين حيث كان يعتقد أن الذي يرتبط بالله تعالى إنما هو الخلق والإيجاد والابتداء ، وأما تدبير الأنواع والكائنات الأرضية فقد فوض إلى الأجرام السماوية
والملائكة والجن والموجودات الروحية التي كانت تحكي عنها الأصنام المعبودة ، وليس له أي دخالة في أمر تدبير الكون وإرادته ، وتصريف شؤونه .
إن القرآن الكريم ينص - بمنتهى الصراحة - على أن الله هو المدبر للعالم ، وينفي أي تدبير مستقل لغيره سبحانه ، وأنه لو كان هناك مدبر سواه فإنما يدبر بأمره . قال سبحانه :
﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ﴾ ( يونس - 3 ) . وقال تعالى :
﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ ( الرعد - 2 ) . فإذا كان هو المدبر وحده فيكون معنى قوله سبحانه :
﴿ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة . . ﴾ ( الأنعام - 61 ) . أن هؤلاء مدبرات بأمره وبإرادته ، فلا ينافي ذلك انحصار التدبير الاستقلالي في الله سبحانه .
ومن كان ملما بما ورد في القرآن الكريم عرف بأنه سبحانه حينما ينسب كثيرا من الأفعال إلى نفسه وفي الوقت نفسه ينسبها إلى غيره في مواضع أخرى لا يكون هناك أي تناقض أو تناف بين ذلك النفي وهذا الإثبات ، لأن الحصر على ذاته إنما هو على وجه الاستقلال ، ولا ينافي ذلك تشريك الغير في هذا الفعل ، بعنوان أنه مظهر أمره سبحانه ، ومنفذ إرادته ، ولأجل أن يظهر هذا النوع من المعارف نأتي بأمثلة في المقام :
1 - يعد القرآن - في بعض آياته - قبض الأرواح فعلا لله تعالى ، ويصرح بأن الله هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها إذ يقول - مثلا - :
﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها . . ﴾ ( الزمر - 42 ) . بينما نجده يقول في موضع آخر ، ناسبا التوفي إلى غيره :
﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ﴾ ( الأنعام - 61 ) . * * *
2 - يأمر القرآن - في سورة الحمد - بالاستعانة بالله وحده ، إذ يقول :
﴿ وإياك نستعين ﴾ . في حين نجده في آية أخرى يأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة ، إذ يقول :
3 - يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقا مختصا بالله وحده ، إذ يقول :
﴿ قل لله الشفاعة جميعا ﴾ ( الزمر - 44 ) . بينما يخبرنا في آية أخرى عن وجود شفعاء غير الله كالملائكة :
﴿ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ﴾ ( النجم - 26 ) ..
4 - يعتبر القرآن الاطلاع على الغيب والعلم به منحصرا في الله ، حيث يقول :
﴿ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ﴾ ( النمل - 65 ) فيما يخبر الكتاب العزيز في آية أخرى عن أن الله يختار بعض عباده لاطلاعهم على الغيب ، إذ يقول :
﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ﴾ ( آل عمران - 179 ) . * * *
5 - ينقل القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - قوله بأن الله يشفيه إذا مرض ، حيث يقول :
﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ ( الشعراء - 80 ) . وظاهر هذه الآية هو حصر الإشفاء من الأسقام في الله سبحانه ، في حين أن الله يصف القرآن والعسل بأن فيهما الشفاء أيضا ، حيث يقول :
﴿ فيه شفاء للناس ﴾ ( النحل - 69 ) .
﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ ( الأسراء - 82 ) . * * *
6 - إن الله تعالى - في نظر القرآن - هو الرزاق الوحيد حيث يقول : ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ ( الذاريات - 58 ) .
بينما نجد القرآن يأمر المتمكنين وذوي الطول بأن يرزقوا من يلوذ بهم من الضعفاء ، إذ يقول :
﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ ( النساء - 5 ) . * * *
7 - الزارع الحقيقي - حسب نظر القرآن - هو الله ، كما يقول :
﴿ أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ ( الواقعة - 63 و 64 ) . في حين أن القرآن الكريم في آية أخرى يطلق صفة الزارع على الحارثين ، إذ يقول :
﴿ يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾ ( الفتح - 29 ) . * * *
8 - إن الله هو الكاتب لأعمال عباده ، إذ يقول :
﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ ( النساء - 81 ) . في حين يعتبر القرآن الملائكة - في آية أخرى - بأنهم المأمورون بكتابة أعمال العباد ، إذ يقول :
9 - وفي آية ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه سبحانه يقول :
﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم ﴾ ( النمل - 4 ) وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان :
﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم ﴾ ( الأنفال - 48 ) . وفي آية أخرى نسبها إلى آخرين وقال :
﴿ وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ ( فصلت - 25 ) . * * *
10 - مر في هذا البحث حصر التدبير في الله حتى إذا سئل من بعض المشركين عن المدبر لقالوا : هو الله ، إذ يقول في الآية 31 من سورة يونس :
﴿ ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ﴾ . بينما اعترف القرآن بصراحة في آيات أخرى بمدبرية غير الله حيث يقول :
﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ( النازعات - 5 ) . * * *
فمن لمن يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيل لأول وهلة أن بين تلك الآيات تعارضا غير أن الملمين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أن حقيقة هذه الأمور ( أعني الرازقية ، والإشفاء . . ) قائمة بالله على نحو لا يكون لله فيها أي شريك فهو تعالى يقوم بها بالأصالة وعلى وجه " الاستقلال " ، في حين أن غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده وفعله ، فما سواه تعالى يقوم بهذه الأفعال والشؤون على نحو " التبعية " وفي ظل القدرة الإلهية .
وبما أن هذا العالم هو عالم الأسباب والمسببات ، وأن كل ظاهرة لا بد أن تصدر وتتحقق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود ينسب القرآن هذه الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية الله من ذلك ، ولأجل ذلك يكون ما تقوم به هذه الموجودات فعلا لله في حين كونها فعلا لنفس الموجودات .
غاية ما في الأمر أن في نسبة هذه الأمور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب " المباشري " ، وفي نسبتها إلى " الله " إشارة إلى الجانب " التسبيبي " . ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه :
﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ ( الأنفال - 17 ) .
ففي حين يصف القرآن النبي الأعظم بالرمي ، إذ يقول بصراحة ( إذ رميت ) نجده يصف الله بأنه هو الرامي الحقيقي .
وذلك لأن النبي إنما قام بما قام بالقدرة التي منحها الله له ، فيكون فعله فعلا لله أيضا ، بل يمكن أن يقال :
إن انتساب الفعل إلى الله ( الذي منه وجود العبد وقوته وقدرته ) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلا لله لا غير ولكن شدة الانتساب هذه لا تكون سببا لأن يكون هو الله سبحانه مسؤولا عن أفعال عباده ، إذ صحيح أن المقدمات الأولية للظاهرة مرتبطة بالله وناشئة منه إلا أنه لما كان الجزء الأخير من العلة التامة هو إرادة الإنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحققت الظاهرة ، يعد هو مسؤولا عن الفعل .
هذا وحيث إننا ركزنا البحث - في هذه الرسالة - على بيان موازين التوحيد والشرك من وجهة نظر القرآن الكريم ، لذلك تركنا الأدلة العقلية على هذا القسم من التوحيد ، غير أن القرآن الكريم أشار في موضعين إلى برهان هذا القسم فنذكرهما بتوضيح إجمالي فنقول :
إن القرآن استدل على وحدة المدبر في العالم ببرهان ذا شقوق ، وقد جاء البرهان ضمن آيتين تتكفل كل واحدة منهما بيان بعض الشقوق من البرهان ، وإليك الآيتين :
﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ ( الأنبياء - 22 ) .
﴿ وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ﴾ ( المؤمنون - 91 ) .
وإليك مجموع شقوق البرهان :
إن تصور تعدد المدبر لهذا العالم يكون على وجوه :
1 - أن يتفرد كل واحد من الآلهة المدبرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله ، بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع ، ففي هذه الصورة يلزم تعدد التدبير لأن المدبر متعدد ومختلف في الذات فيلزم تعدد التدبير ، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه : ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾
2 - وأما أن يدبر كل واحد قسما من الكون الذي خلقه ، وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلا ، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون ، في حين أننا لا نرى في الكون إلا نوعا واحدا من النظام يسود كل جوانب الكون من الذرة إلى المجرة .
وإلى هذا الشق أشار بقوله : في الآية الثانية : ﴿ إذا لذهب كل إله بما خلق ﴾ .
3 - أن يتفضل أحد هذه الآلهة على البقية ويكون حاكما عليهم ويوحد جهودهم ، وأعمالهم ويسبغ عليها الانسجام والاتحاد وعندئذ يكون الإله الحقيقي هو هذا الحاكم دون الباقي .
وإلى هذا يشير قوله سبحانه :
﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾. فتلخص أن الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ذا شقوق تتكفل كل واحدة منهما بيان شق خاص .
من كتاب: التوحيد والشرك في القرآن الكريم
للمؤلف الشيخ جعفر السبحاني
«( 1 ) فسر كتاب الوهابية " التوحيد في الخالقية " بالتوحيد في الربوبية مع أن الثاني غير الأول ، فإن الثاني ناظر إلى التوحيد في التدبير والإدارة والأول ناظر إلى التوحيد في الخلق والإيجاد ، وكان المشركون موحدين في المجال الأول أي التوحيد في الخالقية ، وإن كان بعضهم مشركا في المجال الثاني أي التوحيد في التدبير والإدارة .»