التاريخ: 28 ديسمبر 2009 / القسم: القرآن الكريم / المشاهدات: 2002

الكاتب: الشيخ صالح الكرباسي
القرآن هو كلام الله العزيز والمعجزة الإلهية [1] الخالدة التي زوَّد الله تعالى بها رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وهوالميراث الإلهي العظيم والمصدر الأول للعقيدة والشريعة الإسلاميتين، والذي لا يُعْدَلُ عنه إلى غيره من المصادر مطلقاً.
ومن تتبع آي الذكر الحكيم، وتدبر معانيها يجد وراءها مقسماً مشتركاً، وإطاراً عاماً يربط بين جميع قواعده ومبادئه، وسوره وآياته، وهذا الرابط هو الدعوة إلى أن يحيا الناس، كل الناس، حياة طيبة يسودها الأمن والعدل، ويغمرها الخصب والسلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ... ﴾[2].
ولدعوة اللّه والرسول إلى الحياة أسلوب خاص، وركائز تقوم عليها، أما أسلوب الدعوة فقد حدده اللّه سبحانه بقوله لنبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله): ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... ﴾ [3].
والمراد هنا بالحكمة والموعظة الحسنة أن يخاطب القلب والعقل، ويعرض في دعوته إلى اللّه بدائع المخلوقات، وعجائب الكائنات: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ... ﴾ [4].
وأن يحذِّر المشاغبين والمعاندين من سوء العاقبة والمصير، ويضرب لهم الأمثال من الأمم السابقة، كما فعل شعيب، حيث قال لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ [5]. فإن أصروا على العناد تركهم وشأنهم، حيث لا مزيد من البينات والبراهين: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ... ﴾ [6]، ﴿ ... فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [7].
أما ركائز الدعوة إلى الحياة الطيبة فنذكر منها ما يلي:
1 ـ إن الإنسان لم يوجد في هذه الحياة صدفة ومن غير قصد: ﴿ وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ... ﴾ [8].
2 ـ إن اللّه سبحانه لم يترك الإنسان سدى تتحكم فيه الأهواء والنزوات، بل اختط له طريقا سويا لا يجوز أن يتخطاه ويتعداه: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [9]. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [10].
3 ـ الأمن وصيانة النظام، ومن أخل به وسعى في الأرض الفساد عوقب بأشد العقوبات في الدنيا، وله في الآخرة عذاب أليم: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [11].
4 ـ إن صيانة الأمن والنظام لا تتحقق ولن تتحقق إذا لم يكن كل إنسان أمينا على نفسه وكرامته، لأن المجتمع الصالح في منطق القرآن هوالذي لا يوجد فيه بذرة واحدة من بذور الفساد: ﴿ ... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا... ﴾ [12].
ذلك إن حقيقة الإنسانية تقوم بكل فرد، تماما كقيامها في جميع الأفراد، فمن أساء إلى واحد منها فقد أساء إلى الإنسانية بكاملها، ومن أحسن إليه فقد أحسن إليها كذلك. وقوله تعالى ﴿ ... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ... ﴾ [13] إشارة إلى أن لكل فرد قدسيته الإنسانية، وانه في حرم محرم، حتى ينتهك هو حرمة نفسه بارتكاب جريمة ترفع عنه تلك القدسية والحصانة الإنسانية.
5 ـ إن العلاقات بين الناس تقوم على أساس حصانة الكرامة وصيانتها لكل فرد من غير فرق بين الذكر والأنثى، والأسود والأبيض، والغني والفقير.. من أي ملة كان ويكون، وقد أقر اللّه هذه الحقيقة بأوجز عبارة وأبلغها: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ... ﴾ [14]. ومن استهان بمن كرمه اللّه سبحانه فقد استهان باللّه وشريعته.
6 ـ إن الإيمان باللّه، ونبوة محمد، واليوم الآخر، وما إلى ذاك من الأصول والفروع ليس مجرد شعار ديني يرفعه القرآن، بل أن لكل أصل من أصول الإسلام، وكل حكم من أحكامه ثمرات وحقائق يجمعها الخلق الكريم، والعمل النافع.. فلقد قرن اللّه الإيمان به بالعمل الصالح في العديد من الآيات، أما الإيمان بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) فهوإيمان بالإنسانية ورفاهيتها: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [15]. أما دخول الجنة فيرتبط أقوى ارتباط بالجهاد والعمل الصالح في هذه الحياة: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [16].
وهكذا يرسم القرآن الطريق الايجابي لبلوغ مقاصده، واستجابة الدعوة إلى الحياة التي أشار إليها بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ... ﴾ [17].
وهذا دليل واضح على أن أية دعوة لا تمت إلى الحياة بصلة فما هي من الدين في شيء، ومن نسبها إلى اللّه ورسوله فقد افترى على الدين كذبا.. [18].
فالحياة الطيبة هي الحياة التي يدعولها القرآن الكريم وهي لا تحصل إلاَّ بالايمان بالله عَزَّ وجَلَّ والعمل الخالص بما أمر به، فهوالقائل جَلَّ جَلالُه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [19].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] تعتبر المعجزة من الدلائل المهمة التي تثبُت بها نبوة النبي، وهي بمثابة أوراق اعتماده وهويته التي تؤيد صدق دعواه وارتباطه بالله تعالى، فلذلك نرى أن الأنبياء (عليهم السَّلام) إلى جانب ما أقاموه من الدلائل والبراهين على صدق دعواهم قد اظهروا معاجز تؤكد صدق ادعائهم ولا تدع مجالا للشك في حقانية نبوتهم.
والمعجزة كما عرَّفها العلماء: " أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدِّي، مع عدم المعارضة، مع دعوى النبوة ".
والمعجزة هي: العمل الخارق للعادة، الذي يعجز البشر حتى النوابغ والعباقرة عن الإتيان به.
وللنبي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) معاجز كثيرة جداً وهي أكثر من أن تُحصى.
ومن أهم تلك المعاجز هي معجزة القرآن الكريم، وهوالمعجزة الإلهية الخالدة التي زوَّد الله تعالى بها رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله) لتكون وثيقة حيَّة على صدق النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة، ولكي يتحدى به من يشك في معجزيَّة هذا الكتاب الإلهي العظيم، فهومعجزة عظيمة جداً يزخر بمعاجز كبرى.
[2] القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 24، الصفحة: 179.
[3] القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 125، الصفحة: 281.
[4] القران الكريم: سورة فصلت (41)، الآية: 53، الصفحة: 482.
[5] القران الكريم: سورة هود (11)، الآية: 89، الصفحة: 232.
[6] القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 20، الصفحة: 52.
[7] القران الكريم: سورة الرعد (13)، الآية: 40، الصفحة: 254.
[8] القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 70، الصفحة: 274.
[9] القران الكريم: سورة القيامة (75)، الآية: 36، الصفحة: 578.
[10] القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 92 و93، الصفحة: 267.
[11] القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 33، الصفحة: 113.
[12] القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 32، الصفحة: 113.
[13] القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 32، الصفحة: 113.
[14] القران الكريم: سورة الإسراء (17)، الآية: 70، الصفحة: 289.
[15] القران الكريم: سورة الأنبياء (21)، الآية: 107، الصفحة: 331.
[16] القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 142، الصفحة: 68.
[17] القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 24، الصفحة: 179.
[18] تفسير الكاشف: 1 / 11.
[19] القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 97، الصفحة: 278.