مقام الإمام المهدي عليه السلام في محافظة الحلة/ في العراق

في ذكر سدنة المقام

مقام الامام المهدي

اهتمّ الشيعة الإماميّة بمشاهد العترة الطاهرة, فبقوا يحافظون على تلك المشاهد المنسوبة إليهم بالعمارة بعد العمارة, وفي كلّ مشهد من تلك المشاهد المعظمة وضعوا طائفة وظيفتها أن تهتمّ بتنظيف تلك المشاهد والعناية بها واحترام زائريها وتقديم الخدمات لهم, وسمّوا تلك الطائفة بالسدنة, ومن تلك المشاهد مشهد صاحب الزمان أرواحنا فداه في الحلّة, فإنّ مشهده لم يخلُ من تلك الطائفة، لكنّ التاريخ لم يحفظ لنا أسماءً من تلك الطائفة, إلاّ ما وجدته من اسم واحد, وبيت واحد, وهو بيت (آل القيم) وأكرم به من بيت, فبخدمتهم لهذا المقام الشريف نالوا ذلك اللقب السامي، وقد نال هذا البيت الحظّ الأوفر من تلك السدانة وبحقبة زمنية تُقدّر بنحو ثلاثة قرون أو أكثر, يستلمها خلف عن سلف، وصاغر عن كابر, فقد ذكرهم الشيخ الخاقاني عليه الرحمة في كتابه (شعراء الحلّة) قائلاً: إنّ صاحب كتاب (ديوان القيم) الذي جمعه الشيخ محمد علي اليعقوبي رحمة الله عليه, هو حسن بن الملاّ محمد بن يوسف بن إبراهيم بن إسماعيل بن سلمان بن عبد المهدي، وكان جدّه هذا سادناً على مقام الغيبة التي في نهاية سوق الهرج من جهة الغرب، ومن هنا جاءهم لقب (القيم)، وكانت السدانة لهم من لدن دولة الصفويين في العراق (930 – 1120هـ)، وهم حتّى اليوم يستغلّون ثمرة أوقاف الزوير الواقعة في شمال الحلّة , ولد المترجم له أي الشاعر سنة 1276هـ.(56)


أقول: ربما إنّ أوقاف الزوير الواقعة في شمال الحلّة هي ممّا وقفه الحكام الصفويّون للمقام الشريف, وكان هذا من عادتهم مع المشاهد الشريفة.

ومن ثمّ انتقلت السدانة إلى بيت آخر من بيوتات الحلّة ولمدّة قصيرة, ومن بعد تحوّلت إلى بيت آخر ثالث يدعى بـ(ال الصفّار). وكان السادن الأوّل منهم الحاج حميد حسين الظاهر الصفار الخفاجي الذي خدم المقام نحواً من أربعة عقود، وكان معروفا بتديّنه وورعه، وتوفي هذا السادن سنة (1408هـ)، ثمّ استلم السدانة بعده ولداه عبد الله وعبد علي اللذان كانا يسعيان بين حقبة وأخرى لترميم وصيانة وتطوير المقام وبالشكل اللائق وببعض جهود الخيرين دامت توفيقاتهم. وأخبرني سادن المقام عبد الله الصفار عن كرامة رآها بأم عينيه أحببت تدوينها هنا وهي من املائه عليّ، قال: في سنة (1408هـ/1988م) وفي الشهر الخامس وفي يوم الجمعة حدثت كرامة في هذا المقام وهي: كان مفتاح باب المقام عند رجل كبير السن وكان مؤمناً اسمه حمزة الحمود (ابو ابراهيم الصفار)، أُمر هذا الرجل من قِبل سدنة المقام لغيابهم عنه في تلك المدة بفتح وغلق باب المقام، وعندما أغلق الباب ليلة الجمعة أغفل امراً مهمّاً وهو أن بعضاً من النساء وضعن بعض الشموع مباشرة على كرسي خشب قديم كان داخل المقام، وكان المقام مفروشاً بحصير من النايلون (البلاستك) لأنّ الموسم كان صيفاً، فأغفل الرجل إطفاء تلك الشموع التي وُضعت على الكرسي مباشرة، فجاء يوم الجمعة صباحاً لفتح باب المقام فوجد أمراً عجيباً قد حدث، وهو أن الكرسي قد احترق بأكمله ولم يبق إلاّ رمادُ ولم يروا أثراً لاحتراقه على الحصير سوى بقع صغيرة بقدر الدرهم والحصير لم يحترق، فاجتمع الناس لرؤية هذه الكرامة، وأخذ الناس رماد ذلك الكرسي للتبرّك، فببركة صاحب هذا المقام لم يحترق الحصير، ولو احترق الحصير لأحرق المقام بأكمله لكن أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.

أقول: لقد انطفأ النور الناتج من احتراق الكرسي عندما حضر النور الالهي تواضعاً منه لذلك النور المقدس، فخمدت تلك النيران ببركات يُمن وجوده عجل الله تعالى فرجه الشريف كما خمدت نيران كسرى ببركات يمن جدّه صلى الله عليه وآله .

الأمر الثاني: في ذكر الأوقاف الخاصة بالمقام

دأبت الشيعة الامامية (أنار الله برهانهم) بجعل وقفاً من الأراضي أو المشاريع الخيرية وذلك لتعاهد عمارة تلك المشاهد بالبناء والتعمير، وقد قدّمنا ذكر أوقاف الزوير الواقعة في شمال الحلّة التي من المحتمل أن تكون خاصّة بهذا المقام, والآن نأتي على ماتبقى من الذكر.

أقول: إنّني زرت في سنة 1425هـ دائرة الوقف الشيعي في الحلّة فعثرت في طيّات مخزوناتها على أوراق عثمانية يدّعى فيها وجود مقام للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في منطقة المدحتية التابعة للحلّة، ورقم المقاطعة المدّعى فيها وجود هذا المقام هو قطعة 114و11أو14و15العوادل خيكان الغربي وخيكان الشرقي رحمه الله مدحتية, كما عثرت في أوراق عثمانية أخرى على ادّعاء وجود مقام آخر للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في قضاء الكفل التابع للحلّة، ورقم المقاطعة المدّعى فيها وجود هذا المقام هو 5و6م مربع هور الشوك رحمه الله كفل, جار ابن الجباوي, والذي اعتقده أنّ الموضعين المذكورين ليس فيهما مقامان للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لعدم وجود عين ولا أثر لهما، ولو كان لهما وجود لما طمست اثارهما ودرست معالمهما، وأغلب الظن أنّهما من جملة المواضع الموقوفة على مقام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الحلّة الذي كتبنا هذا البحث في تحقيقه, وقد لا يبعد أن يكون ذكر هذين المقامين في المكانين المزبورين هو من تزويرات الدولة العثمانية المتعصّبة على الشيعة تعصّباً لا هوادة فيه، (وتوظيفاً) لهذا التعصب وبدافع التشويش والتضبيب على عقائد الشيعة اختلقت لهم ما لم يعرفوه ولم ينقله منهم ناقل.

(في موقع ووصف مقام صاحب الزمان أرواحنا فداه في الحلّة)

يقع المقام في مركز مدينة الحلّة السيفية في منطقة تدعى (السنية) وفي سوق الصفّارين على يمين الداخل إلى هذا السوق، ويقع على يسار الداخل للسوق الكبير، وخلف جامع الحلّة الكبير بالضبط. والمشهور عند أهل الحلّة (مقام الغيبة) مشتقة من الغائب الذي هو اسم من أسمائه عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وفي يوم 2 من شهر ربيع الأول من سنة 1425هـ تشرّفت بزيارة المقام كما كنت أتردد عليه كثيراً وخاصّة عند نزولي في الحلّة وهي البلدة التي ولدت فيها في سنة (1391هـ) في منزل يقع بالقرب من قبر المحقّق الحلي صاحب كتاب (شرائع الاسلام)، ثم انتقلت إلى الأرض المقدسة التي حوت جسد أمير المؤمنين عليه السلام وعشت بجواره متنعّماً مدّة حياتي سوى خمس سنين وأشهر قضيتها في الحلّة أوائل عمري.

وعوداً إلى بدء أقول: إنّ المقام يطلّ على السوق بمساحة قدرها (9.5م)، والمساحة الكلية للمقام بنحو (35م2)، ويتوسّط واجهة المقام باب من خشب الساج ارتفاعه (2م)، ويعلو الباب شِعر يؤرّخ عمارة السيد القزويني (1317هـ)، ويعلو واجهة المقام آية التطهير جددت عام (1422هـ) وزيارة مختصرة للإمام عليه السلام، وزُيّنَت واجهة المقام بالزخارف الإسلامية، ويقع على يمين الداخل من الخارج مكان للوضوء. وعند الدخول للمقام ترى أمامك شبّاكاً مصنوعاً من خشب الساج علوه (1.75م) وعرضه (1م) تعلوه زيارة للامام عليه السلام، وهي الزيارة المعروفة بـ (السلام على الحقّ الجديد….)(57) كتبت بالقاساني الأزرق، وعند توجّهك إلى جهة القبلة يكون الشباك خلفك وتكون باب المقام أمامك، وكتب على لوح فوق الباب من الداخل شعر يؤرّخ العمارة الاخيرة وهي في سنة (1422هـ)، ثم يعلو الباب الدعاء المعروف (يا من أظهر الجميل…) (دعاء أهل البيت المعمور) وعليه تأريخ كتابته عام (1417هـ/1996م) وكتب بالقاساني الازرق، والقبّة من الداخل مزيّنة وكُتب فيها آية النور وأسماء اهل البيت عليهم السلام يعلوها لفظ الجلالة وتتوسّطها ثريا جميلة وفاخرة، وصعدنا على مكان مرتفع لنشاهد القبّة الشريفة السامية المنيفة، فرأيتها قد جُدد تغليفها حديثاً، وهي خالية من الكتابة والتأريخ سوى أسماء المعصومين عليهم السلام وهي شامخة ظاهرة للعيان من بُعد، ومن خلال قلمنا هذا ندعو العلماء الأعلام ودائرة الوقف الشيعي والاخوة المؤمنين والمؤسسات الخيرية الذين يريدون أن يعظّموا شعائر الله أن يلتفتوا لتوسعة حرم المقام الذي لا تتجاوز مساحته سوى (35م2)، وذكرنا أنّ المقام كان أوسع بكثير ولكن…) فإنّ مساحته لا تليق وعمره التأريخي وذلك بضمّ بعض المحلات إلى مساحته حتى تشملهم رعاية الإمام ولطفه.

في سرعة إجابة الدعاء في هذا المقام الشريف.

سألت أحد المجاورين للمقام ـ وهو السيد عصام الحسيني السويدي ـ هل من كرامة رأيتَها بالعيان حتّى أدوّنها؟

قال: لم أرَ بالعيان, ولكن كثرة توافد الزائرين للمقام تدلّ على سرعة الاجابة فيه وحدوثها عاجلة وهي مما جُرّب كثيراً.

أقول ـ وأنا الفقيرـ: إنّ أهل الحلّة يعتقدون اعتقاداً شديداً بهذا المقام وصاحبه عجل الله تعالى فرجه الشريف, ولذلك يتوافدون عليه بكثرة, وإنني ما زرت هذا المقام فوجدته فارغاً قط, حتّى في وقت الظهيرة, وحتّى في أثناء عمارته وبدون انقطاع, ومن عادة أهل الحلّة من رجال ونساء أن يفرّقوا بعض الحلوى في المقام الشريف بعد إجابة دعواتهم, حتّى انّي في بعض زياراتي للمقام أكلت من تلك الحلوى التي تفرّق على زائري المقام الشريف.


إعداد: أحمد علي مجيد الحلي


URL for news «مقام الإمام المهدي عليه السلام في محافظة الحلة/ في العراق» -
«شبكة الغدير الإسلامية» -